الشيخ محمد هادي معرفة

467

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وعجائب . وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات » . « 1 » يقول الأستاذ خلف اللّه : يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة ، وقد كانت تعتبر العقبة الأولى في سبيل الدعوة الإسلاميّة لما فيه من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدّعوا أنّ محمّدا من الكهّان وأنّ الذي يُطلعه على الغيب هم الشياطين وليس وحي السماء . حارب القرآن هذه الفكرة وحاربها تدريجيّا وبأساليب مختلفة . فالجنّ كانت تقعد مقاعد للسمع . ولكن الكواكب أصبحت رجوما والشهب أصبحت رواصد « وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً » . « 2 » والجنّ تخطف الخطفة حتّى بعد رسالة محمّد صلى الله عليه وآله وحتّى بعد أن حدثت المعجزة ومنعت الجنّ من الاستراق . « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ . وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ . لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ . إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ » . « 3 » ذلك أسلوب محاربة الفكرة يوم أن كان سلطانها قويّا وإيمانهم بها عنيفا ، ويوم أن كان القرآن في أوّل عهده بهم . ولكن حينما تقدّم الزمن وحينما استقرّ الأمر في البيئة واشتهر أمر المعجزة وأخذ القوم يصدّقون بالرجم انتقل القرآن إلى أسلوب آخر في محاربة الفكرة فادّعى أنّ الجنّ ما كانت تعلم الغيب وأنّها لو كانت تعلمه ما لبثت في العذاب بعد أن فارق سليمان عليه السلام الحياة « فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ » . « 4 » وأسلوب المحاورة قد يوقع بعض المفسّرين في إشكالات خاصّة ، حينما يأخذون المسائل مأخذ الجدّ ويحاولون البحث عن الأجرام السماويّة وهل كانت موجودة قبل محمّد أو لم تكن ؟ وإذا كانت فكيف جعلت رجوما ؟ وهكذا إلى أن يضيّقوا هم أنفسهم

--> ( 1 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 320 . ( 2 ) - الجنّ 9 : 72 . ( 3 ) - الصافّات 6 : 37 - 10 . ( 4 ) - سبأ 14 : 34 .